السيد كمال الحيدري

86

مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن

فإذا كانت العمليّة التفسيريّة تمثِّل نفس الكشف عن مقاصد ومرادات القرآن الكريم فإنّ المنهج التفسيري هو الهيئة التي يقع عليها ذلك الكشف ، فإذا كانت الهيئة والكيفيّة علميّة بحثيّة تحقيقيّة فإنّ العمليّة التفسيريّة سوف تكون مُمنهجة ، وإلّا فهي مجرّد ركام معلوماتىّ لا يزيد الباحث والمتوغِّل فيها إلّا بُعداً عن هدفه المعرفي والعلمي الذي يصبو إليه من وراء العمليّة التفسيريّة « 1 » . خامساً : لقد حاول جملة من أصحاب الفنّ في العلوم القرآنيّة أن يُقدّموا لنا دراسات جديدة في مناهج التفسير حرصت على ضبط المناهج التفسيريّة المعتمدة عند علماء التفسير . ولكن هذه الدراسات رغم جدّيتها وجدواها قد توهّمت في قضيّة مهمّة وهي حصر المناهج والاتّجاهات التفسيريّة بعدد معيّن أبرزوا فيها مقوّماتها ونماذجها الصادرة في ضوئها ، وهذا أوّل خطأ منهجيّ وقع فيه من صنّف في المناهج والاتّجاهات التفسيريّة . فإنّ المناهج التفسيريّة لا ينبغي حصرها بعدد معيّن إلّا من باب الاستقراء الناقص لما وقع منها دون الالتزام بالانتهاء عندها ؛ وبكلمة واحدة : لا يمكن عدّها وحصرها بما وقع منها ، وإلّا فإنّ جملة منها قد جاءت متأخّرة ، بل إنّ أكثرها لم يكن ملتَفتاً إليها . بعبارة أُخرى : إنّ جملة من مفسِّري القرآن الكريم - إن لم يكن الأعمّ الأغلب منهم - يمارس العمليّة التفسيريّة دون أن يحدّد في رتبةٍ سابقة منهجاً تفسيريّاً معتبراً يعتمده في كشف معاني القرآن . فغاية ما عنده هو كمٌّ معلوماتيّ ينهل منه ما يحتاجه في ضبط مقاصد الكتاب دون أن يكون

--> ( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 45 .